السبت، 14 نوفمبر 2020

هل بيع الأدوية عن طريق الإنترنت نشاط تجاري أم يخالف القانون؟

  


 بيع الأدوية عبر الإنترنت : نشاط تجاري خارج القانون ؟

الدكتور فؤاد بنصغير : أستاذ جامعي و خبير / مكون في القانون الإلكتروني.


مقدمة:


نشرت الصحافة المغربية في الأيام القليلة الماضية خبرا مفاده أن مديرية الأدوية بوزارة الصحة تعتزم إطلاق مشاورات مع المهنيين لتعديل مشروع القانون 04-17 المتعلق بمدونة الدواء والصيدلة للنظر في إمكانية التشريع لبيع الأدوية عبر الإنترنت.


وبغض الطرف عن صحة هذه الأخبار من عدمه، فإن تجارة الدواء عبر الإنترنت تعتبر من أخطر أنواع التجارة الإلكترونية لما لها من آتار على الصحة العامة.

ومن الخطير أن نجد أدوية غير مسموح ببيعها حتى في الصيدليات أو المضرة بالصحة تروج بكل حرية على بعض المواقع التجارية على شبكة الإنترنت وحتى في مواقع التواصل الإجتماعي.


صحيح أن العديد من الصيدليات التي تبيع الأدوية اليوم عبر الإنترنت هي صيدليات قد تكون مرخصة في بلدان أجنبية، لكن يوجد الكثير منها غير مرخص لها بمزاولة هذا النشاط بل أن منها من ليست صيدليات على الإطلاق يشرف عليها أشخاص لا علاقة لهم بمهنة الصيدلة تبيع بعض الأدوية التي لم تعتمدها الجهات الصحية المختصة أو قد تبيع حتى الأدوية غير المشروعة.


هذا الأمر يعتبر بطبيعة الحال مخالفا للقانون تمامًا لأن المكان المسموح به في القانون المغربي لبيع الدواء هو الصيدلية المرخصة من قبل وزارة الصحة والتي يشرف عليها صيدلى حائز على رخصة مزاولة المهنة.

ومع ذلك نقول أننا لسنا ضد الترخيص ببيع الأدوية عبر الإنترنت، لكن قبل ذلك يجب وضع الشروط التقنية والقانونية الخاصة والصارمة والتي يتوفر المغرب على البعض منها ولكن ما زال أمامه الكثير من أجل تشجيع هذا النوع من النشاط من جهة وحماية المستهلك والصحة العامة من جهة أخرى.

لا بد من التمييز هنا بين النظام القانوني الخاص بنشاط التجارة الألكترونية للأدوية والنظام القانوني العام الذي يطبق على هذا النشاط.

 

أولا : النظام القانوني الخاص بنشاط التجارة الإلكترونية للأدوية

 

ما هو التعريف القانوني للتجارة الإلكترونية للأدوية ؟ من له الحق في إنشاء موقع إلكتروني ؟ من له الحق في القيام بهذا النشاط ؟ ماهية الأدوية التي يمكن بيعها عبر الإنترنت ؟.

تلكم أهم الأسئلة القانونية التي حاول التشريع الفرنسي المتعلق بالتجارة الإلكترونية للأدوية الأجابة عليها.

 

1-    تعريف التجارة الإلكترونية للأدوية ؟

 

تعرف المادة L. 5125-33 من مدونة الصحة العامة الفرنسية التجارة الإلكترونية للأدوية بأنها:

النشاط الإقتصادي الذي يقترح من خلاله الصيدلي أو يؤمن عن بعد وعن طريق إلكتروني بيع أدوية ذات استعمال بشري عن طريق التقسيط ويقدم بالمناسبة معلومات متعلقة بالصحة على الخط”.

« On entend par commerce électronique de médicaments l’activité économique par laquelle le pharmacien propose ou assure à distance et par voie électronique la vente au détail et la dispensation au public des médicaments à usage humain et, à cet effet, fournit des informations de santé en ligne. »

 

2-    من له الحق في إنشاء موقع إلكتروني ؟

 

تحصر المادة L. 5125-33 من مدونة الصحة العامة الفرنسية نشاط التجارة الإلكترونية للأدوية من خلال الموقع الإلكتروني التابع لصيدلية تقليدية موجودة.

« L’activité de commerce électronique est réalisée à partir du site internet d’une officine de pharmacie. »


هذا يعني أنهم فقط الصيادلة الذين يتوفرون على صيدلية تقليدية قائمة بإمكانهم إنشاء موقع إلكتروني خاص ببيع الأدوية على الإنترنت كنشاط موازي للبيع من خلال الصيدلية التقليدية .


هذا يعني كذلك أنه بموجب المادة L. 5125-38 من المدونة المذكورة فإنه إذا تم إيقاف نشاط الصيدلية التقليدية يجب مباشرة غلق الموقع الإلكتروني المرتبط بها.
« La cessation d’activité de l’officine de pharmacie (…) entraine la fermeture de son site internet ».

 

3-    من له الحق في القيام بهذا النشاط ؟

 

يحصر القانون الفرنسي الحق في إنشاء واستغلال موقع للتجارة الإلكترونية للأدوية في الصيادلة الحاصلين على دبلوم خاص بالصيدلة والذين يمارسون نشاطهم في فرنسا.

 

4-    ما هية الأدوية التي يمكن بيعها عبر الإنترنت ؟

 

فقط الأدوية الغير مرتبطة بوصفة طبية، أي ذات الوصول الحر، يمكن الترويج لها ( الإعلان والدعاية ) وبيعها على شبكة الإنترنت.

نشير إلى أن النظام القانوني الفرنسي الخاص ببيع الأدوية عبر الإنترنت الذي قدمنا خطوطه العامة، لا بد وأن يستفيد منه المشرع المغربي لوضع قانون مغربي خاص في هذا الميدان.


ثانيا : النظام القانوني العام


لا بد من الإشارة إلى أن الإطار القانوني للتجارة الإلكترونية للأدوية تتقاطع فيها عدة نصوص قانونية تتعلق بحماية المستهلك وحماية المعطيات الشخصية والتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية والإتصالات عن بعد وغيرها.


1- الإلتزام بالإعلام


من المعلوم أن القانون يلزم المواقع التجارية الإلكترونية ومن بينها مواقع التجارة الإلكترونية للأدوية بتقديم معلومات محددة قانونا إلى مستخدمي الإنترنت ( المرضى ) تتعلق بهوية أصحابها وبموضوع العقد ( الدواء) والشروط العامة للبيع وغيرها.


الإعلام بهوية صاحب الموقع الإلكتروني ( صاحب الصيدلية (
يلزم القانون أصحاب المواقع التجارية الإلكترونية لبيع الأدوية بتقديم معلومات تتعلق بتحديد هوية صاحب الموقع الإلكتروني ( قانون حماية المستهلك + قانون الصحافة والنشر + قانون التبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية… )


الإلتزام بتقديم النصح والارشاد

يلزم القانون الصيدلي الإلكتروني بتقديم النصح والإرشاد وكافة المعلومات الضرورية الخاصة بطريقة استعمال الدواء المبيع وكذا الاخطار والآتار الجانبية التي يمكن أن تنشأ عن ذلك الاستعمال.

هنا لابد من الإشارة إلى أن القانون الفرنسي في هذا الشأن يفرض على مواقع التجارة الإلكترونية للأدوية وضع رابط تشعبي ( lien hypertexte ) يتجه بالمستهلك إلى الموقع الإلكتروني للهيئة الوطنية للصيادلة حيت يجد لائحة تضم الصيادلة المعتمدين الذين لهم الحق في الإتجار بالأدوية عن طريق إلكتروني.

يجب كذلك على موقع الإنترنت التابع للصيدلي الإلكتروني وضع الشروط العامة للبيع سهلة الوصول إليها ولا يعتبر العقد في حكم المنعقد إلا بعد موافقة المستهلك عليها.

2- الإعلان والدعاية للأدوية عبر الإنترنت.


من المعلوم أنه لا يمكن أن يكون هناك بيع للأدوية عن بعد عن طريق إلكتروني دون إعلان أو دعاية لهذا المنتوج عن طريق إلكتروني كذلك. غير أن الإعلان والدعاية للأدوية عبر الإنترنت هي في الغالب إعلانات ودعاية لأدوية مقلدة أو مغشوشة من قبل معلنين مجهولي الهوية.

لهذا السبب وضع المشرع إطارا قانونيا للإعلان والدعاية عبر الإنترنت جاءت في القانون 08-31 والقانون 24-96 مثل حضر الإعلانات الكاذبة أو المضللة.

3- حماية الحياة الخاصة للمريض


يتوجب على الصيدلي الذي يمارس نشاط التجارة الإلكترونية للأدوية عبر الإنترنت أن يحافظ على الحياة الخاصة للمستهلك المريض من حيث حماية معطياته الطبية الشخصية و من حيث تجنب إرسال إليه رسائل إلكترونية دعائية لم يطلبها.

حماية المعطيات الطبية ذات الطابع الشخصي.

تعتبر المعطيات الصحية من المعطيات ذات الطابع الشخصي الحساسة لأنها تتعلق بصحة الإنسان، لهذا السبب أولى مشرع القانون 08-09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين في مواجهة معطياتهم الشخصية عناية خاصة بهذا النوع من المعطيات.

وبالتالي، فإن تجميع ومعالجة هذا النوع من المعطيات لا بد أن يستجيب لنظام قانوني متشدد مقارنة بالمعطيات ذات الطابع الشخصي العامة.

وقد وضع المشرع من خلال القانون 08-09 مجموعة من الإلتزامات على كاهل الصيدلي الإلكتروني الذي قد يمارس نشاط بيع الأدوية عن بعد عن طريق إلكتروني لعل أهمها :


لا يمكن تجميع ومعالجة هذه المعطيات دون الحصول على ترخيص مسبق من الشخص المعني ( المريض ).
يفرض نفس القانون على الصيدلي الإلكتروني الحماية التقنية لهذه البيالنات من الوصول إليها أو العبت بها.

لايجب الإحتفاظ بهذه البيانات أكتر من المدة الضرورية للغاية التي تمت من أجلها تجميعها أو معالجتها ( إبرام عقد بيع أدوية عن طريق إلكتروني ). لا بد من الإشارة هنا أنه باعتبار معطيات الصحة معطيات شخصية حساسة فإن المراسلات الإلكترونية بين الصيدلي والمريض يجب تشفيرها بمفاتيح ذات أطوال معينة محددة قانونا وحفظها في قواعد بيانات تضمن سريتها وسلامتها طيلة المدة القانونية لحفظها.


من جهة أخرى أعطى المشرع للمستهك / المريض مجموعة من الحقوق لعل أهمها 

:

الحق في الإخبار بأن معطيات طبية شخصية خاصة به قد تم تجميعها ومعالجتها ومن يقوم بذلك وكذلك الحق في الإعتراض على ذلك. كما أعطى المشرع للمستهك / المريض الحق في الوصول إلى جميع المعطيات الطبية التي تخصه وحتى الحق في تعديلها إذا اكتشف أنها أصبحت مخالفة للحقيقة.
الحماية من البريد الإلكتروني غير المرغوب فيه ( السبام )

من المعلوم أن الإعلان التجاري غير المرغوب فيه ( السبام = Spams ) مجرم في التشريع المغربي ( أنظر المادة 10 من القانون 08-09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين اتجاه حماية معطياتهم الشخصية والمادة 23 من القانون 08-31 المتعلق بحماية المستهل (


وبما أن الغالبية العظمى من الإعلانات التجارية للأدوية هي مجرد بريد إلكتروني غير مرغوب فيه، ونظرا للآتار الصحية الخطير لهذه الأدوية التي في غالبيتها غير مرخصة، فإنه يجب تشديد العقوبة على مرسلي هذه الإعلانات كما فعلت بعض التشريعات بخصوص السبام البورنوغرافي.


4- التحقق من هوية الأطراف


كلما تعلق الأمر بمعاملات / عقود عن بعد عن طريق إلكتروني كلما طرح مشكل هوية الأطراف المتعاقدة في البيع الإلكتروني للأدوية.


لهذا السبب، لا بد من تحديد هوية الصيدلي الإلكتروني من جهة وهوية المريض المتعاقد من جهة أخرى.

تحديد هوية الموقع الإلكتروني للصيدلي الإلكتروني

من ناحية حماية المستهلك، فإن الخطر الأكبر يأتي من بعض المواقع التجارية الأجنبية الوهمية التابعة لبلدان تكون فيها التشريعات في هذا الميدان غير مشددة أو حتى غير موجودة والتي تسمح باقتناء بكل حرية أدوية غير مشروعة أو غير مرتبطة بوصفة طبية.


تحديد هوية المريض المتعاقد عن بعد

يجب كذلك تحديد هوية المريض المتعاقد عن بعد بكل دقة حتى لا يتمكن من ليس لهم الحق في اقتناء بعض الأدوية من الوصول إليها.


في هذا الإطار، يجب الإشارة إلى أنه منذ الإعتراف القانوني بالوثيقة و التوقيع الإلكترونيين لا أظن أن هناك من الناحية القانونية ما يمنع ( بشروط صارمة ) أن يتم نقل الوصفة الطبية من الطبيب المعالج إلى الصيدلي عبر شبكة الإنترنت.

غير أن هذا الأمر يتطلب بطبيعة الحال الإلتزام بالشروط القانونية والتقنية التي جاء بها القانون 05-53 لكي تكون للوصفة الطبية الإلكترونية التي تمر عبر شبكة الإنترنت قوة تبوتية.

هذا الأمر لا يمكن أن يتأتى إلا إذا قامت هيئات الأطباء والصيادلة بإنشاء شبكة إلكترونية مؤمنة للتبادل الإلكتروني للبيانات الطبية عن طريق إنشاء ما يسمى بالبنية التحتية للمفاتيح العامة التي تؤمن التتبت من هوية المتعاملين ( الأطباء + الصيادلة + المرضى ) وإضفاء قيمة قانونية على الوثائق التي يتم تبادلها عبر تلك الشبكة.

وجود هذه البنية ضروري لتحقيق سرية البيانات المتبادلة عبر شبكة الإنترنت وسلامة محتوى الوصفات الطبية الإلكترونية وهوية الأطراف المعنية.


وقد تم في فرنسا إصدار نصوص قانونية يتم بموجبها وضع شعار ( LOGO ) على مواقع الإ نترنت المتخصصة في التجارة الإلكترونية للأدوية بصفتها مواقع ثقة تستجيب للشروط القانونية والتنظيمية لمزاولة هذا النشاط لتشجيع المستهلكين على التعامل معها.


خاتمة :


قبل ترخيص بيع المواد الطبية عن طريق شبكة الإنترنت، لا بد على الأطراف المتدخلة تحقيق المتطلبات التقنو – قانونية التالية :

قبل مزاولة هذا النشاط، لا بد على الصيدلي الإلكتروني من الحصول على ترخيص من قبل وزارة الصحة بنفس الشروط الواجب توافرها في فتح صيدلية تقليدية. يجب كذلك إضافة بعض المواد إلى القانون 08-31 لحماية المستهلك ( الإعلان والدعاية الإلكترونيين للأدوية عبر الأنترنت ) يأخد بعين الإعتبار خصوصيات المواد الطبية خاصة الحماية ضد الإعلان الكاذب أو المضلل.لا بد من وضع نظام قانوني يحدد مسؤوليات مقدمي خدمات الإنترنت ( مقدمو خدمات الإيواء ومقدمو خدمات النفاد إلى الإنترنت ) بحيث تقوم مسؤولية هؤلاء في حال وجود صيدلية إلكترونية غير مرخصة من قبل وزارة الصحة أو دعاية محلية أو أجنبية لمواد طبية غير مرخصة.

في هذا الإطار، لا بد من وضع المسؤولية القانونية على مقدمي خدمات الإنترنت وكذلك مواقع التواصل الإجتماعي إذا ما أصاب المستهلك ( المريض ) ضرر من جراء استخدام دواء تم الإعلان عنه أو الدعاية له عبر مواقع التواصل الإجتماعي هذه أو تم شراءه من موقع إلكتروني غير مرخص.


يجب على الموقع الإلكتروني الخاص ببيع الأدوية أن يلتزم بكل الشروط القانونية العامة المفروضة على المواقع التجارية الإلكترونية وإضافة شروط قانونية خاصة بالتجارة الإلكترونية للأدوية عبر الإنترنت.

يجب على الصيدلية الإلكترونية الإلتزام بالشروط القانونية لحماية المعطيات الطبية الشخصية لمستخدمي الإنترنت الذين يزورون تلك المواقع.لا بد كذلك من وضع إجراءات تقنو – قانونية تمكن المستهلك من التحقق من شخصية الصيدلي الإلكتروني بحيث لابد من التأكد من أن الموقع الإلكتروني يعبر عن صيدلية مرخصة وأن من يقوم على إدارتها هو بالفعل صيدلي مرخص له بمزاولة المهنة من طرف وزارة الصحة.


لا بد من التأكد من حصول الصيدلي الإلكتروني على الترخيص من وزارة الصحة للقيام بالإعلان والدعاية للمواد الطبية عبر شبكة الإنترنت. في الختام، لا بد من القول أن الحل القانوني الناجع هو وضع قانون خاص بالخدمات الصحية الإلكترونية ككل يشارك في تحريره كل المتدخلين من وزارة الصحة وهيئات الأطباء و الصيادلة لأن إدخال تكنلوجيات الإعلام والإتصالات في ميدان الصحة لا مفر منه إن عاجلا أم آجلا.


لا بد من الإشارة في هذا الصدد أن عدة سلطات يجب أن تتدخل من أجل وضع قانون لبيع الأدوية عبر الإنترنت : وزارة الصحة، مجلس المنافسة، اللجنة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية، البرلمان بغرفتيه

وفي انتظار توافر مجموع هذه الشروط التقنية والقانونية و إصدار قانون يتعلق ببيع الأدوية عبر الإنترنت واستعداد الصيادلة الإلتزام بهذه الشروط وإنشاء مواقع إلكترونية متوافقة مع القوانين والأنظمة ذات الصلة، فإن المكان القانوني والآمن اليوم لبيع الأدوية يبقى هو الصيدليات التقليدية التي نعرفها وتعرفنا !!!!

مقال الدكتور فؤاد بنصغير


الاثنين، 9 نوفمبر 2020

الطب عن بعد في زمن كوفيد-19

 

 

Telemedecine

 تقديم:

لقد تم الاعتراف بالطب عن بعد رسميا في القانون المغربي بواسطة القانون رقم 13-131 المتعلق بمزاولة مهنة الطب الصادر بتاريخ 19 فبراير 2015 الذي خصص الفرع الرابع منه (المواد من 99 إلى 102) للطب عن بعد والمرسوم رقم 378- 18-2 في شأن الطب عن بعد الصادر بتاريخ 25 يوليو2018.

المشرع الفرنسي الذي سبق المغربي في التشريع في مجال الطب عن بعد بل وحتى في مجال الصحة الرقمية بصفة عامة، استصدر في الأيام القليلة الماضية نصا قانونيا يبغي من ورائه توسيع نطاق استخدام أعمال الطب عن بعد في فترة الحجر الصحي الذي فرضته جائحة كوفيد-19.

أولا: الإطار العام للطب عن بعد

قبل الحديث عن تكييف أحكام أعمال الطب عن بعد مع وباء كوفيد-19 من قبل المشرع الفرنسي، لا بد من فهم السياق العام لهكذا أعمال في التشريع المغربي.

أ- من الطب عن بعد إلى الصحة الرقمية

من المعلوم أن أعمال الطب عن بعد هي مرحلة من المراحل التي تدخل في إطار ما يسمى بالصحة الرقمية.

لذلك سنقوم بتعريف المصطلحين مصطلح الصحة الرقمية ومصطلح خدمات الطب عن بعد للوقوف على أهميتهما في الظروف الطارئة التي نعيش فيها اليوم.

1- الصحة الرقمية

الصحة الرقمية هي تطبيق تكنولوجيا الإعلام والاتصالات على مجموع النشاطات التي لها ارتباط بالصحة.

هذا يعني استخدام الوسائل والخدمات والطرق الإلكترونية لتقديم الخدمات المرتبطة بالصحة عن بعد.

وتعرِّف منظمة الصحة العالمية الصحةَ الإلكترونية بأنها استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مجال ومن أجل الصحة.

2- الطب عن بعد

عرفت المادة L6316-1 التي أضيفت إلى مدونة الصحة العمومية في فرنسا بواسطة المادة 78 من القانون رقم 2009-879 الصادر بتاريخ 21 يونيو2009 عرفت الطب عن بعد بأنه:’‘ نوع من الممارسة الطبية التي تستخدم تكنلوجيا الإعلام والاتصالات وتربط عن بعد بين واحد أو أكثر من مهنيي الصحة أوبين هؤلاء ومريض’‘.

المشرع المغربي بدوره عرف الطب عن بعد في المادة 99 من القانون رقم 13-131 المتعلق بمزاولة مهنة الطب الصادر بتاريخ 19 فبراير 2015 بأنه:’‘ يتمثل في الاستعمال عن بعد للتكنولوجيات الحديثة في الإعلام والاتصال أثناء مزاولة الطب، ويربط بين مهني أو مجموعة من مهنيي الصحة يكون من بينهم وجوبا طبيب، أوبين هؤلاء وبين مريض’‘.

بطبيعة الحال، لا يمكن حسب منطوق المادة 101 من نفس القانون:’‘ القيام بأي عمل من أعمال الطب عن بعد يهم مريضا إلا بموافقته الصريحة والحرة والمستنيرة، التي يجب التعبير عنها كتابة بأي وسيلة بما فيها الوسائل الإلكترونية’‘.

ويترتب على ذلك دائما حسب آخر جملة من نفس المادة أن أعطى المشرع المغربي للمريض’‘ حق رفض’‘ أن تقدم له الخدمات الطبية عن بعد.

ب - أعمال الطب عن بعد

تتكون خدمات الطب عن بعد حسب المادة الأولى من المرسوم رقم 378- 18-2 في شأن الطب عن بعد الصادر بتاريخ 25 يوليو2018 أساسا من الاستشارة الطبية عن بعد والخبرة الطبية عن بعد والمراقبة الطبية عن بعد والمساعدة الطبية عن بعد.

1- الاستشارة الطبية عن بعد

الاستشارة الطبية عن بعد هي عندما يقدم مهني للمريض استشارة عن بعد عن طريق النقل الفيديوي مما يتيح إمكانية التحاور بين الطبيب والمريض عن طريق وسائل الاتصال الإلكتروني.

والغرض من الاستشارة الطبية عن بعد حسب الفقرة الأولى من المادة الأولى من المرسوم المذكور هو:’‘ تمكين طبيب من إعطاء استشارة الطبية عن بعد لشخص مريض’‘.

غير أن الجزء الثاني من نفس الفقرة الأولى من المادة الأولى من المرسوم اشترطت:’‘ أن يكون أحد مهنيي الصحة حاضرا بجانب المريض وعند الاقتضاء أن يساعد الطبيب أثناء الاستشارة الطبية عن بعد’‘.

2- الخبرة الطبية عن بعد

الخبرة الطبية عن بعد هي عندما يطلب مهني في مجال الطب عن بعد وبالوسائل الإلكترونية المعروفة رأي واحد أو أكثر من مهنيي الطب آخرين.

نشير إلى أن هذه الخدمة لا تخص إلا المعاملات التي تتم عن بعد بين مهنيي الصحة من أجل الاستفادة من الآراء الطبية المتخصصة.

والهدف من الخبرة الطبية عن بعد حسب الفقرة الثانية من المادة الأولى من المرسوم المذكور هو: تمكين مهني طبي من أن يتمس عن بعد رأي مهني آخر أو عدة مهنيين بالنظر إلى تكوينهم أو كفاءتهم الخاصة’‘.

3- المراقبة الطبية عن بعد

تتيح المراقبة الطبية عن بعد لمهنيي الطب إمكانية تفسير عن بعد المعطيات الطبية الضرورية لتتبع حالة المريض وذلك باستخدام الوسائط الإلكترونية.

والغرض من المراقبة الطبية عن بعد حسب الفقرة الثالثة من المادة الأولى من المرسوم المذكور هو:’‘ تمكين مهني طبي من أن يأول عن بعد المعلومات الضرورية للتتبع الطبي لمريض ما’‘.

4- المساعدة الطبية عن بعد

تتيح المساعدة الطبية عن بعد لمهني طبي (طبيب) إمكانية مساعدة عن بعد مهني طبي آخر (ممرض مثلا) على القيام بعمل من الأعمال الطبية.

والغرض من المساعدة الطبية عن بعد حسب الفقرة الرابعة من المادة الأولى من المرسوم المذكور هو:’‘ تمكين مهني طبي من مساعدة مهني صحي آخر عن بعد خلال إنجاز عمل ما”".

هذه هي الأعمال الطبية التي يمكن أن تتم عن بعد مع الإشارة إلى أن نفس المرسوم نص في الفقرة الثانية من المادة الأولى منه على أنه:’‘ يمكن كلما اقتضت الضرورة ذلك تتميم هذه اللائحة بقرار لوزير الصحة بعد استطلاع رأي المجلس الوطني للهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء’‘.

ثانيا: تكييف أحكام الطب عن بعد مع وباء كوفيد-19

من أجل ملائمة أعمال الطب عن بعد مع جائحة كورونا، صدر في فرنسا المرسوم رقم 227-2020 الصادر بتاريخ 9 مارس 2020.

وقد جاء هذا المرسوم بإعفاءين: الأول يتعلق بالاستشارات الطبية عن بعد التي أصبحت تتم دون شروط، والثاني يتعلق بكون هذه الاستشارات الطبية عن بعد أصبح بالإمكان أن تتم بكل الوسائل التكنولوجية المتاحة.

أ- الاستشارة الطبية عن بعد دون شروط

من المعلوم أن التأمين الصحي في فرنسا بدأ منذ 2018 يتكفل بالاستشارات الطبية التي تتم عن بعد بشرطين وهما: أن تتم الاستشارة الطبية عن بعد مع الطبيب المعالج الخاص بالمريض وأن يكون هذا الأخير قد قام باستشارة حضورية في مكتب هذا الطبيب على الأقل مرة واحدة خلال الاثنتي عشر شهرا التي سبقت الاستشارة الطبية عن بعد.

غير أن مرسوم 9 مارس 2020 رفع هذين الشرطين بالنسبة للمرضى الذين تظهر عليهم أعراض كوفيد-19 وذلك لتمكين هؤلاء من الاستفادة من التغطية الصحية عند قيامهم بالاستشارات الطبية عن بعد.

هذا يعني أن الأشخاص المصابين بفيروس كوفيد-19 أو الذين من المحتمل أن يكونوا كذلك سيستفيدون من تكفل التأمين الصحي بالمصاريف عندما يقومون بالاستشارة عن بعد حتى ولولم يكن لهم طبيب يمارس الاستشارة عن بعد أو غير معروفين من قبل الطبيب الذي سيقدم لهم الاستشارة عن بعد تلك.

ب- الاستشارات الطبية عن بعد تتم بكل الوسائل التكنولوجية

من المعلوم أن الاستشارات الطبية عن بعد كانت قبل ظهور هذا الوباء تتم عبر وسائل اتصال مؤمنة ومعقدة.

لذلك كان الإعفاء الثاني الذي حمله مرسوم 9 مارس 2020 هو أن الاستشارات الطبية عن بعد يمكن في ظروف كوفيد-19 والحجر الصحي الذي صاحبها أن تتم بكل الوسائل التكنولوجية المتاحة للقيام بالاتصال الإلكتروني بين المريض والطبيب.

هذا يعني أن الاستشارات الطبية عن بعد يمكن أن تتم في فترة الحجر الصحي من خلال مكان مجهز بالوسائل التكنولوجية اللازمة (هذا ما كان عليه الحال قبل صدور هذا المرسوم) أو حتى عن طريق موقع إلكتروني على شبكة الإنترنت أو تطبيق مؤمن عبر حاسوب أو هاتف ذكي مجهز بكاميرا ويب ومرتبط بالإنترنت أو حتى عن طريق المنصات التجارية المتواجدة عبر شبكة الإنترنت.

نفهم أن المصابين بكوفيد-19 الذين يلجؤون إلى الاستشارات الطبية عن بعد سيستفيدون من تعويض التأمين الصحي، وذلك كيفما كانت الوسيلة التكنولوجية المستخدمة.

خاتمة:

إن الغاية من هذا المرسوم هو توسيع إمكانيات استخدام الاستشارات الطبية عن بعد في مرحلة الحجر الصحي لتمكين الأشخاص من الحصول على جواب أولي عن حالتهم الصحية دون الاضطرار إلى كسر الحجر الصحي.

أتمنى على وزارة الصحة في المغرب باستشارة مع مهنيي الصحة أن تصدرا في ظروف الحجر الصحي الذي نعيشه والذي قد يطول لا سامح الله منشورا يحوي أحكاما مثل هذه.

هذا يعني أن الاستشارات الطبية في هذه الفترة يمكن أن تتم بكل الوسائل التكنولوجية المتاحة من فايس بوك وواتس آب وسكايب وغيرها من وسائط التواصل الإلكتروني (مكالمة هاتفية / بريد إلكتروني) حتى وإن كانت كل هذه الوسائط غير مؤمنة.



 المصدر : 1