السبت، 16 مايو 2020

كيف سيصبح العالم بعد جائحة فيروس كورونا ؟

 كيف سيصبح العالم بعد جائحة فيروس كورونا ؟

أخبار إقتصادية عن فيروس كورونا



 اليوم سنتحدث عن موضوع الساعة الذي هو جائحة فيروس كورونا او كوفيدـ19 الكل يتساءل كيف سيكون العالم بعد ازمة فيروس كورونا المستجد ؟ إذا رجعنا إلى الوراء قبل الحجر الصحي كوفيدـ19 سوف نكتشف ان التباعد الاجتماعي نادراً ما أدى للشعور بالعزلة، و من بعد الصدمة الأولية أغلبيتنا يحس بارتياح حيث لا يعتبر التباعد بالضرورة "خسارة"، ولكن قد يفتح الباب أمام احتمالات جديدة ... هناك من جرب مثلا أن يملئ وقته بالتمارين الرياضية ( sport ) او مثلا بالنسبة للبنات يقضون الوقت في الأشغال المنزلية و الطبخ ... ومن المفارقات العجيبة التي لاحظناها أن المسافة الطبيعية التي فرضها علينا الفيروس قربت المسافة بين الناس حيث كثر اتصالنا بالأصدقاء القدامى لكي نحِي مشاعر المودة و الاطمئنان و الجميل كذلك هو ان الأسر والجيران و الأصدقاء أصبحوا متقاربين أكثر لبعضهم حتى الصراعات الخفية التي كانت بينهم اختفت و ازدادت المجاملة الاجتماعية التي افتقدناها بشكل كبير في السابق.
في الوقت الذي فيه اسعار النفط وصلت لأدنى مستوياتها عكس انتاج المواد الطبية التي في ارتفاع مستمر اليوم الكل يتساءل متى ستتوقف كورونا ؟ و متى ترجع الأمور الى طبيعتها كما كانت من قبل ؟ الجواب هو: لا لن ترجع الامور كما كانت ( اتكلم على ما يعيشه العالم اما نحن كل واحد منا عند توقف كورونا سيرجع الى روتينه اليومي بشكل تدريجي كما كان قبل ...) .
اليوم نحن نعيش لحظات تاريخية نسميها التفرعات او الازمات العميقة التي لها دور كبير في تغيير مجريات الامور مستقبلا، و العالم كما نعرفه نحن اليوم مصيره هو الزوال حيث سيخلفه عالم جديد يغلب عليه الشعور بالقومية وتحقيق الاكتفاء الذاتي والاعتماد على الطاقات المحلية ... و سوف يتم التركيز بالخصوص على النظام الصحي و التعليمي و البحث العلمي في حين معدلات النمو سوف تعرف تراجع كبير .
الخبراء يقولون انه من السابق لأوانه ان نتحدث على مرحلة ما بعد كورونا والخريطة الجديدة المحتملة للعالم خصوصا وأنه هناك مجموعة من السيناريوهات المحتملة التي يتكلم عنها  العالم في أوج الأزمة، زد عليها الضبابية ، ليس هناك وضوح للرؤية باستثناء القطاع الصحي الذي يقاوم كائن مجهول ...
يقول علماء الاجتماع انه بعد نهاية فيروس كرونا المستجد البشر سيصبح إما اكثر اجتماعا وتعاونا وإنسانية او اكثر فردا نية وطمعا و وحشية ... أما علماء الاقتصاد  يعتبرون ان العالم القائم على الربح والمنفعة يتحمل كامل المسؤولية لأنه لم يوفر الكمامات و اجهزة التنفس الكافية و تخلى عن كبار السن و الدول الأقل انتاجية بلا علاج تتخبط مع إنهيار منظومتها الصحية .
في هذه الظروف الكل أصبح مباح و متوقع فمن منا كان يظن أن الإتحاد الأوربي سينهار إتحاده أمام هذه الازمة  و من منا كان يتوقع أن كل من إيطاليا و إسبانيا و فرنسا ستنهار الأنظمة الصحية فيها بهذا الشكل وأمام ذهول الجميع و من منا كان يتخيل أن أمريكا كقوة عظمى و بجلالة قدرها سوف تطلب من الصين التعاون في المحنة الصحية التي تعيشها ،ورأينا كيف أن واشنطن عوض إيجاد الحلول للمشاكل كانت في أول الأزمة تتبادل الاتهامات مع بكين في فترات سابقة و هاهي اليوم تأذي الضريبة على تخاذلها .
كورونا حقيقة ولكن الحقيقة الكبرى أن هذا الوباء سيغير موازين القوى وخريطة العالم على المستوى السياسي، الاقتصادي وكذلك الاجتماعي والقومي ...
و سيشكل وباء فيروس ـكورونا صدمة كبيرة لنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي أسسته الولايات المتحدة و حلفاءها منذ خمسة و سبعين عام حيث انشأت الولايات المتحدة و شركاءها  نظام قائم على قواعد و قيم ديمقراطية ليبرالية، واقتصاد عالمي مفتوح، وهيئات مؤسسية رسمية تدعمها دول ديمقراطية قوية و لكن هذا لا  يعني ان هذا النظام ليس له تحديات ... حيث نرى اليوم أن الوباء الحالي (كوفيدـ19) أصبح يهدد مستقبل هذا النظام بشكل عام .
يمكن أن يساهم الانحدار الاقتصادي الذي تعرفه الاقتصادات الغربية في تعزيز صعود الصين، و في ظل ازمة وباء كورونا يظهر بشكل واضح ان الهيئات الدولية المصممة لحماية الصحة العامة ضعيفة و ليست لها القدرة على احتواء الأزمة، وبدأت التحالفات مع الشركاء عبر الأطلسي في الانهيار بعد انغلاق الدول على الداخل وإغلاق حدودها.
ما قبل ازمة فيروس كورونا المستجد كنا نعيش في عالمٍ تراجع فيه الاهتمام بالعلم و تدمر فيه المناخ لصالح السلاح والغاز والنفط والنفوذ و لكن من بعد ازمة كوفيدـ19 سوف يرجع العلم للصدارة و سيكون له وزن كبير في السياسات العالمية و سوف تبحث الدول عن تحقيق الاكتفاء الذاتي في جميع المجالات.

 و يبقى السؤال الكبير هو كيف سيكون العالم من بعد جائحة فيروس كورونا ؟

من بين الاسباب التي ساهمت في اعادة تشكيل العالم من غير الحروب نجد الاوبئة على سبيل المثال انهيار النظام الاقطاعي البريطاني بسبب الطاعون في عام 1350 الذي غير الظروف الاقتصادية والديموغرافية بشكل جدري، و تدمير امبراطورية #الازتيك في الميكسيك عام 1520 بسبب عدوى الجذري التي جلبها العبيد .
تسعون في المئة من السكان الاصليين لأمريكا قتلتهم امراض نقلها الاستعمار الاسباني مثل الجدري و الحصبة و الطاعون ...
هذا كان في الماضي البعيد اما في الماضي القريب تحديدا منذ مئة عام سجل العالم العديد من الاوبئة البداية كانت مع #الانفلونزاـ الاسبانية عام 1918 التي مات فيها خمسين مليون شخص بعدها  انفلونزا #هونجـكونج (1968) و التي مات فيها أكثر من مليون شخص ... و فيروس #سارس ( 2002) ثم انفلونزا #الخنازير ( 2009) و #الايبولا في 2013 و النهاية كانت مع جائحة # فيروس كورونا المستجد في اواخر عام 2019 التي يظهر على انه اشد خطورة و اكثر قوة من الفيروسات السابقة .
يمكن أن يكون هناك تشابه بين كوفيدـ19 و الانفلونزا الاسبانية التي كانت في ذلك الوقت في عالم اقل عولمة مما هو عليه اليوم حيث تغير كل شيء أصبحت الكمامة لها قيمة أكثر من اي شيء أخر الدول كانت تخسر المال على استيراد حاجياتها من الخارج ... و كانوا في صراع على الذهب و النفط و الغاز و يفتعلون الكثير من الحروب و فجأة تحول الصراع لمن يمتلك كمامات طبية اكثر وأقنعة تنفس طبية اوفر وقطاع صحة اقوى ؟ و هذا يؤكد لنا ان القيمة الاستراتيجية للأشياء تتغير و لو بشكل مؤقت.
في هذه الفترة وقعت عدة أحداث من بينها الخلاف الذي وقع بين الولايات المتحدة و المانيا و الذي اتهمت فيه هذه الاخيرة امريكا بقرصنة مئتين الف كمامة كانت متجهة لالمانيا، خرج ترامب في تصريح رسمي و نفى هذا الكلام "جملة و تفصيلا" و لكن رغم انكاره فلقد افتضح أمره عند قيامه بمحاولة فاشلة حاول من خلالها أن يشتري شركة "كورفاك" الالمانية اللي تعمل على تطوير لقاح مضاد للفيروس كورونا و هذا المشكل تسبب في خلاف دبلوماسي بين البلدين.

 زعامة الولايات المتحدة العالمية في خطر:

لابد أن نفهم أنه ليس هناك قائد عالمي المصطلح الصحيح هو "النظام العالمي" الذي تم تأسيسه مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، فيه الامم المتحدة و مجلس الامن المكون من خمسة ديال الدول هي : الولايات المتحدة، فرنسا،بريطانيا،روسيا و الصين و انقسم هذا النظام للجزئين كل واحد فيهم عنده توجه اقتصادي و اديولوجي مختلف يوجد الجزء الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي و الصين و الجزء الغربي بقيادة الولايات المتحدة و الدول الاوربية الكبرى.
من بعد ما انهار الاتحاد السوفياتي قال لهم الغرب : أرأيتم ؟ نحن الأفضل و طريقتنا في الحكم هي الافضل في العالم ! و الآن جاء كورونا ليثبت أنه ليس هناك الأفضل في العالم, الذي يقود العالم فعليا فهي دول و منظمات و افكار ذات قيمة مضافة تدفعنا ان نتصارع عليها  ...
العالم الآن يرى كيف تتعامل الولايات المتحدة مع الأزمة ؟ و هل عندها القدرة ان تتحكم في زمام القيادة العالمية ؟ القوى الاستبدادية وخاصة الصين بينت على انها قادرة أن تصمد في وجه العاصفة بشكل أكثر فعالية وبالتالي هذا الفيروس يقدر أن يساهم في اعادة تشكيل نظام عالمي جديد خاصة إذا عانت القوى الاقتصادية الرئيسية في العالم مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من كساد اقتصادي مطول .
والواقع اليوم يقول بأن سجل الولايات المتحدة على المستوى السياسي الرفيع غير مشرف، حيت واشنطن أخذت قرار بإغلاق حدودها أمام أغلب المواطنين الأوروبيين بدون التنسيق مع حكوماتهم. و بخلاف هذا الذي وقع من بعد الأزمة المالية في عام 2008، كانت هذه المرة اجتماعات مجموعة الدول السبع و مجموعة العشرين سطحية و هذا أعطى نظرة تشاؤمية للكل اتجاه مستقبل العالم بعد ازمة كورونا ، حيث غاب الإتحاد على مستوى الدول وأصبحت التدابير اللازمة لوقف انتشار الفيروس محليا و بشكل انفرادي الكل يتخبط في مشاكله بعزلة عن العالم ! الاختبار للزعامة العالمية سوف يبدأ بمجرد ما تتعافى الولايات المتحدة في حين الدول الاخرى مازالت تكافح مع الفيروس و يبقى السؤال هل ترفع واشنطن شعار "أميركا أولاً" أو انها ستقوم بمساعدت الدول النامية التي هي من اكبر المتضررين من هذه الازمة ؟

اختبار جديد لاوروبا :

اكبر غلط يمكن أن يقع لأي دولة هو الاستهتار بخطورة الفيروس و مواصلة التجمعات و هذا ما فعلته اوروبا، حين ظهر فيروس كورونا لأول مرة في الصين تعاملت معه اوروبا بكثير من الفضول و قليل من الحذر بحيث لم تعطيه اهمية كبيرة كانت تقول : "هذا وقع في الصين و سوف يبقى في الصين ! " و كان همهم الوحيد و الاوحد هو التركيز على الدوريات الاوربية ...
حينما وصل الفيروس لايطاليا اتهموها الدول الاوروبية بالتراخي و الكسل و وصفوا نظامها الصحي بأنه ليس في مستوى الأنظمة الصحية لكل من المانيا و بريطانيا و فرنسا، و لكن هذا سيتغير عند انتقال الفيروس لهذه البلدان و اجبرها على اغلاق حدودها و هذا يدل على ان الدول الاوروبية لم تتبع نظامها الموحد في تعاملها مع ازمة كوفيدـ19.
الاتحاد الاوروبي تجاوز عدة أزمات من بينها ازمة خروج بريطانيا وازمة اللاجئين و قبل منهم كانت الازمة المالية العالمية في 2008 ، و لكن هذه المرة  ليست كمثيلتها حيث كل دولة تتعامل مع الفيروس بشكل انفرادي و أغلقوا الحدود على بعضهم البعض و هذا يدل على ان الاتحاد الأوروبي و في عز الازمة إنهار أساسه وأصبح مصيره غير معروف مستقبلاً ...
جائحة فيروس كورونا المستجد هي ثلاثة بواحد صحية و سياسية و مالية ، صحية حيت تأثر على العالم و سياسية يمكن أن تغير خريطة العالم و مالية هي اشد خطورة من ازمة 2008 ، هذه الازمة عندها تأثير مباشر على الاشخاص سوى من الناحية المادية او المعنوية و هذا سيؤدي إلى تراجع الطلب على المنتجات و الخدمات و النتيجة كساد عالمي  يؤثر على الصادرات الاوروبية و بالتالي فالاتحاد الاوروبي متجه نحو الانهيار ... و لابد أن نفهم  اصلا أن الاتحاد الاوروبي كان يعاني اقتصاديا قبل من ازمة كورونا، على سبيل المثال ايطاليا وصلت الديون ديالها نسبة للناتج المحلي الاجمالي لمئة و اربعة و ثلاثين فالمائة اما فرنسا و اسبانيا ديونها وصلت لمئة في المئة، و الدولة الوحيدة الغنية فعليا في الاتحاد هي المانيا و التي تعاني من الضرر اللي تسبب بيه فيروس كورونا او وضعت اكبر خطة للإنقاذ في التاريخ كلفتها خمس مئة و خمسين مليار يورو ... و يبقى السؤال المطروح هو هل المانيا في الظروف ستساعد الاصدقاء  كما فعلت معهم في 2008 ؟ و الجواب يوجد عند #انجيلاـ ميركل و لكن الواقع يقول ان كل دولة تحارب الفيروس بشكل انفرادي و الوباء يعزز فكرة الدولة القومية و الحدود الوطنية .

بروز الصين : 

من المؤكد ان الصين لم تسترجع عافيتها بعد، ولكن ساهمت في انتشار الفيروس حيث أخفت الحقيقة لمدة شهرين، والارقام الحكومية التي أعطيت في الأول لم تمثل الحقيقة كما هي, هذه التصرفات لا أخلاقية في نظر المجتمع الغربي دفع بعض الدول لمطالبة الصين بدفع تعويضات على الخسائر التي تسببت بها .
الحكومة الصينية تعتبر هذا التخبط الذي تعيشه الدول الغربية فرصة تاريخية لتقويض مصداقية الديمقراطية الليبرالية الغربية، و بالفعل الصين لا تريد إعادة سيناريو العزلة الاختيارية ما بين 1842 و 1949 و اختارت انها تكمل مشوارها في النهضة الاقتصادية و بدأت تستغل امكانياتها الكبيرة في تصنيع الادوية و بيعها للعالم و تقدم مساعدات للدول من أجل تجاوز محنة كورونا .
الصين سوف تستغل هذه الفرصة في توسيع صفقات "الحزام و الطريق"التي تشمل المزيد من الدول في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وفي الداخل الحزب الشيوعي الصيني يعمل على تعزيز الدعم الشعبي للحزب من خلال تصوير الديمقراطيات الغربية على انها لم تتعامل بفعالية مع الوباء ..

 الخلاصة :

هي ان العالم سيتأثر بسبب هذه الازمة و سوف يكون له  تبعات على المستوى الاقتصادي و السياسي ... من أجل أن نضعك في الصورة سوف نأخذ مثلا الازمة الاقتصادية في 1929 و اللي عرفت بالكساد العظيم ( Great recession ) التي كانت عندها تبعات منها صعود النازية في المانيا و الفاشية في ايطاليا و كانت هاد الازمة من بين الاسباب اللي ساهمت في اندلاع الحرب العالمية الثانية.
لا يمكن لنا أن نعرف ماذا سيقع من هنا للمستقبل فالعلماء من جهة يقولون ان العولمة ستزول او ستعرف تغير لم نشهده من قبل و من جهة اخرى السياسيون يقولون ان العالم سوف يواجه ازمة ثقة و الدول ستنغلق على نفسها و سوف تزداد الحروب بالوكالة، و من المفارقات لهذه الازمة ان الصين تحولت من اكبر ضحية لأكبر منقذ و اوروبا و امريكا تحولوا من اكبر منقذ لأكبر ضحية ...
سوف ينتصر العالم على الفيروس و لكن من المؤكد ان هذه اللحظة التاريخية ستتغير بعدها  عدة أمور على المستوى السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي ستتغير معها موازين قوى الدول. 

المصادر :



عرض التعليقات

التعليقات